أول طائرة في تاريخ الطيران العراقي: قصة طائرة جيبسي موث العسكرية وتفاصيلها الفنية
بقلم الباحث: زياد عبدالكريم.
في الثاني والعشرين من نيسان عام 1931، كانت بغداد على موعد مع حدث تاريخي مهيب غيّر وجه السماء العراقية إلى الأبد؛ فمع هبوط رف الطيران الأول في مطار الوشاش، وُلدت القوة الجوية العراقية لتعلن بداية عصر جديد من السيادة والريادة.
|
| أول طائرة في تاريخ الطيران العراقي: قصة طائرة جيبسي موث العسكرية وتفاصيلها الفنية. |
وفي قلب هذا الحدث الاستثنائي، تبرز قصة أول طائرة في تاريخ الطيران العراقي؛ وهي طائرة جيبسي موث العسكرية (Gypsy Moth) التي قادها بفخر الطيارون العراقيون الأوائل في رحلة التحدي من لندن إلى بغداد. لم تكن هذه الطائرة مجرد آلة معدنية تجوب الآفاق، بل كانت فصلاً ملحمياً يروي تفاصيل فنية دقيقة وإرادة صلبة وضعت الحجر الأساس في مسيرة تاريخ الطيران العراقي الشامخ (اسوار الشمال من مذكرات طيار انكليزي).
كيف بدأت الفكرة؟ (كواليس الصفقة التاريخية)
في ثلاثينيات القرن الماضي، سعى العراق جاداً لتأسيس ذراعه الجوي المستقل. ورغم محاولات البعثة العسكرية العراقية لشراء مقاتلات متطورة حينها مثل طائرات "أطلس" أو "هوكر هارت" الأحدث، إلا أن الجانب البريطاني فرض قيوداً معينة تمثلت في توجيه العراق نحو اقتناء طائرات تدريبية خفيفة مجردة من السلاح الثقيل في بدايتها.
وقع الاختيار على طائرة دي هافيلاند جيبسي موث (DH.60G Gipsy Moth) البريطانية الصنع. هذه الخطوة لم تكن مجرد شراء طائرة، بل مثلت أولى خطوات الاستثمار في البنية التحتية الجوية وتدريب الكوادر الوطنية، وهي اللبنة الأولى التي قادت لاحقاً إلى تحديث تكنولوجيا الطيران العسكري والمدني في المنطقة.
المواصفات والتفاصيل الفنية لطائرة جيبسي موث العسكرية
تعتبر طائرة جيبسي موث طائرة تدريب ثنائية الأسطح (Biplane) ذات مقعدين متتاليين. تميزت الطائرة ببساطة تصميمها الفني وهيكلها المصنوع جزئياً من الخشب المغطى بالقماش المقوى، وهو ما جعل تكلفة صيانتها وتشغيلها منخفضة للغاية مقارنة بالطائرات الحربية في ذلك العصر.
الجدول التالي يوضح أدق التفاصيل الفنية والقدرات التشغيلية لهذه الطائرة الأسطورية:
| الميزة الفنية / المواصفات | القيمة الفنية والتشغيلية للـ Gipsy Moth |
|---|---|
| نوع المحرك (Engine) | محرك دي هافيلاند "جيبسي I" (De Havilland Gipsy I) رباعي الأسطوانات مبرد بالهواء |
| قوة المحرك (Engine Power) | 85 إلى 100 حصان تقريباً |
| السرعة القصوى (Max Speed) | تصل إلى حوالي 160 كم/ساعة (بينما كانت سرعة الطيران الاقتصادي الآمن لا تتجاوز 80 كم/ساعة في ظروف معينة)[span_0](start_span)[span_0](end_span) |
| المدى وزمن الطيران (Endurance) | زمن طيران أقصى يتراوح بين ساعة ونصف إلى ساعتين[span_1](start_span)[span_1](end_span) |
| الوزن فارغة (Empty Weight) | حوالي 417 كجم |
| التسليح (Armament) | غير مسلحة (طائرة تدريبية واستطلاع خفيف مجردة من السلاح)[span_2](start_span)[span_2](end_span) |
المهام التي أُنيطت بها الطائرة
استُخدمت الطائرة في رصد وتوجيه نيران المدفعية، والكشف، والاستطلاع الجوي (Aerial Reconnaissance)، والتصوير، ورمي الرسائل أو خطفها من الأرض بواسطة خطاف أسفل جسم الطائرة، والمساعدة في رسم الخرائط، وإرسال معلومات عن مواقع العدو عبر جهاز اللاسلكي المركب عليها.
لم تكن طائرة «جبسي موث» بحجم المهمات العسكرية (Military Operations) التي أُنيطت بها، فهي غير مجهزة لحروب الجبال مثلاً كونها أُعدت للتدريب الأساسي (Primary Flight Training) وهواة الطيران (Aviation Enthusiasts) في الأندية كما أسلفنا.
وقد أُقحمت مباشرة بعد دخولها الخدمة في حركات الشمال الفعلية، ومما صَعّب المهمة أكثر على أطقم الطيران (Flight Crews) هو محدودية أداء الطائرة من ناحية السرعة والقدرة على التسلق ومعدلات الصعود (Rate of Climb)، إضافة إلى وعورة منطقة المعارك في شمال العراق ذات الجبال الشاهقة، ومهارة وتمرس المقاتلين الكرد واستفادتهم من تضاريس المنطقة في التخفي والقتال (بغداد تحت اجنحة الاستعمار).
أبرز حوادث الطائرة الأولى: رحلة الملازم مجد الدين النقيب(1932)
لقد رافقت مسيرة هذه الطائرة الكلاسيكية (Vintage Aircraft) الكثير من الحوادث ولأسباب متعددة، ولأن هذه القوة الفتية في مراحل البداية والتأسيس، فمن الطبيعي أن تصادف هذه المرحلة بعض الإخفاقات وتهديدات السلامة الجوية (Aviation Safety)، وبالمقابل فقد كلفتنا أرواحاً غالية ومعدات ثمينة.
وفي أحد الحوادث، تحطمت طائرة من نوع «جبسي موث»، في شهر كانون الثاني 1932م في فلسطين، وكان قائدها (الملازم الثاني مجد الدين النقيب)، وهو من بعثة الطلبة الثانية إلى إنجلترا والتي أُرسلت عام 1929م لنيل رخصة طيار عسكري (Military Pilot License).
ملخص الحادث
وملخص الحادثة أن الحكومة العراقية قررت شراء أربع طائرات «جبسي موث»، وإرسالها إلى بغداد لتشكيل الرف الثاني في القوة الجوية، حيث شُحنت الطائرات إلى مصر وجرى تركيبها وإجراء صيانة الطائرات (Aircraft Maintenance) لها هناك، وأُوعز للمقدم الميكانيكي (كارتر) بقيادة هذا الرف من مصر إلى بغداد.
وفي أثناء الرحلة الجوية (Flight Navigation)، ضل الملازم الثاني مجد الدين النقيب طريقه بين الرملة وعمان ولم يستطع متابعة آمر الرف (قائد التشكيل)؛ وذلك بسبب المرور بين الغيوم الكثيفة وسوء الأحوال الجوية، وقد اضطر إلى الهبوط الاضطراري ولكنه اصطدم بأحد أعمدة الكهرباء وتحطمت طائرته إثر ذلك، ونُقل إلى مستشفى الرملة إلى أن تماثل للشفاء، أما الطائرة فنُقلت إلى بغداد وهي محطمة بالكامل (Aircraft Crash) ولم تتم الاستفادة منها.
الرحلة الملحمية: من لندن إلى بغداد
لم تكن عملية نقل الطائرات سهلة بالمعايير الحديثة؛ حيث قاد الطيارون العراقيون الأوائل هذه الطائرات الخفيفة ذات المدى القصير في رحلة طويلة وشاقة عبر القارة الأوروبية وصولاً إلى الشرق الأوسط.
اعتمدت الرحلة على مهارات الملاحة الجوية البصرية والتقديرية بالغة الصعوبة، نظراً لخلو الطائرات حينها من أجهزة الرادار والملاحة اللاسلكية المعقدة، مما جعل وصولها بسلام إلى مطار الوشاش إعجازاً بشرياً وفنياً سطرته السجلات العسكرية.
خاتمة المقال
وختاماً.. لم تكن طائرة جيبسي موث العسكرية مجرد طائرة تدريب خفيفة عبرت القارات، بل كانت الجسر الذي عبر عليه العراق نحو حيازة أسرار السماء، والشعلة التي أنارت درب أجيال من الطياريين والمهندسين الذين ذادوا عن حياض الوطن.
إن الوقوف عند التفاصيل الفنية والقصص الإنسانية لرحلة تلك الطائرة الاستثنائية يعيد إلينا ملامح ذلك الجيل الذهبي الذي صنع هيبتنا الجوية من العدم، ويسلط الضوء على تضحيات شهدائنا الأوائل كالطيار ناطق الطائي الذين قدموا أرواحهم قرباناً لتأسيس هذا الصرح الجوي.
وتبقى قصة تلك الطائرة الأولى بمثابة بوصلة الوفاء التي تذكرنا دائماً بأن السيادة في السماء بدأت برؤية شجاعة وتضحيات غالية على الأرض، وأن نسر العراق الذي بدأ تحليقه متواضعاً بجناحين من قماش، سرعان ما ملأ الآفاق قوةً وبطولةً وتاريخاً لا يطويه النسيان.
