recent
أخبار ساخنة

طريق الأخدود: ملحمة البريد الجوي ومغامرة "جون جليس" في بحر الرمال

طريق الأخدود: ملحمة البريد الجوي ومغامرة "جون جليس" في بحر الرمال 📬🌵✈️

بقلم: مالك المهداوي (باحث ومؤرخ في شؤون الطيران)

الاستهلال: حين صارت الرسائل تطير 💌✨

بعد أن هدأت مدافع الحرب العالمية الأولى، استيقظ العالم على حقيقة جديدة: المسافات التي كانت تقاس بالشهور عبر السفن والقوافل، صار يمكن قطعها بالساعات عبر السماء. وفي قلب هذا التحول، كان العراق يمثل العقدة الأهم في "الخط الإمبراطوري" البريطاني. لم يعد الطيران في سماء بغداد وسيلة للقصف فحسب، بل صار جسراً للحب، والسياسة، والتجارة. 🌍 جسراً يربط القاهرة ببغداد عبر واحدة من أقسى بيئات العالم: البادية السورية وقسوة الصحراء الغربية.

طريق الأخدود: ملحمة البريد الجوي ومغامرة "جون جليس" في بحر الرمال
طريق الأخدود: ملحمة البريد الجوي ومغامرة "جون جليس" في بحر الرمال.

في هذا المقال، نغوص في مذكرات الطيارين الإنجليز، وعلى رأسهم "جون جليس"، الذي قرأت مذكراته وبقيت عالقة في الذاكرة لاني فقدت الكتاب من مذكرات الطيار الانكليزي, لنكشف كواليس "طريق الأخدود"، تلك المعجزة الهندسية البدائية التي جعلت من البريد الجوي حقيقة واقعة في سماء الرافدين. 📜📍

الفصل الأول: معضلة الصحراء الضائعة 🏜️🧭

قبل عام 1921، كان الطيران بين القاهرة وبغداد يمثل انتحاراً معلناً. الصحراء الشاسعة التي تمتد لمئات الأميال بين "عمان" وبغداد كانت تفتقر إلى أي معالم بصرية (Visual Landmarks). لا جبال، لا أنهار، ولا طرق واضحة. كان الطيارون يضلون طريقهم بسهولة، وينتهي بهم الأمر كجثث هامدة تحت حطام طائراتهم التي نفد وقودها في قلب التيه. 💀

لم تكن الاجهزة الملاحية بدائية جداً او تكاد معدومة التي زودت بها الطائرات فيما بعد، هنا ولدت فكرة عبقرية في بساطتها وقسوتها: "طريق الأخدود" (The Furrow). قامت القوات البريطانية باستخدام سيارات مصفحة وجرارات لسحب محراث ضخم عبر الصحراء، ليشق "ثلمة" أو أخدوداً طويلاً في الأرض يمتد من شرق الأردن وصولاً إلى بغداد. كان هذا الأخدود هو "الرادار البصري" الأول الذي يهتدي به الطيارون من الجو أو كما يسمى نقاط ملاحية بصرية. 🚜🛣️

الفصل الثاني: مذكرات "جون جليس".. العين التي لا تنام 🖊️👁️

يصف الطيار جون جليس في مذكراته تلك الرحلات بكلمات محفورة بالتعب: "كنا نحلق على ارتفاعات منخفضة جداً، وأحياناً نكاد نلامس الأرض لكي لا نفقد أثر الأخدود في العواصف الرملية. كان البريد الذي نحمله أثمن من وقود الطائرة؛ فقد كان يضم رسائل الجنود لعائلاتهم، والتقارير السرية التي ستغير خارطة الشرق الأوسط". 📩🌬️

ويضيف جليس في مقطع مؤثر: "كانت الصحراء تبدو لنا من الأعلى كبحر ساكن، لكنه بحر يغلي بالحرارة نهاراً ويتجمد برداً في الليل(علماً أنه لم يكن الطيران الليلي مسموح به لان الطائرة لم تصلحاللطيران في تلك الفترة). إذا تعطل المحرك، فليس أمامك سوى الانتظار بجانب الأخدود، على أمل أن تمر طائرة بريد أخرى في اليوم التالي وتراك". 🆘🔥

الفصل الثالث: "الهنيدي" و"مطار كركوك".. محطات الرسائل الطائرة 🏟️📍

كانت الطائرات المنطلقة من القاهرة تهبط أولاً في مطار الهنيدي (قاعدة الرشيد حالياً) في بغداد. كان المطار يعج بالحركة، حيث يتم فرز البريد: جزء يذهب للإدارة المدنية في بغداد، والجزء الآخر يُعاد تحميله على طائرات أصغر لتتجه شمالاً نحو مطار كركوك أو جنوباً للشعيبة. 📦🏢

كان للبريد نكهة أخرى. كان الطيارون هناك هم صلة الوصل الوحيدة مع القوات المرابطة في الجبال شمالاً وفي الجنوب سهلاً. يذكر جليس كيف كان ضباط الأركان في ينتظرون حقائب البريد بلهفة تفوق انتظارهم للإمدادات العسكرية، لأن تلك الحقائب كانت تحمل "الصحف اللندنية" التي كانت تصلهم متأخرة أياماً قليلة فقط، بدلاً من أسابيع. 🗞️☕

الفصل الرابع: تكنولوجيا الطيران البريدي.. طائرات الـ Vickers Vernon 🛠️⚙️

لتحقيق هذا الإنجاز، اعتمدت بريطانيا على طائرات ضخمة (بمقاييس ذلك الوقت) مثل Vickers Vernon و Vickers Vimy. كانت هذه الطائرات تمتاز بـ:

  • سعة الحمولة: مقصورة داخلية تتسع لحقائب البريد الضخمة وبعض الركاب العسكريين. 💼👥

  • المحركات المزدوجة: لضمان الأمان في حال تعطل أحد المحركات فوق الصحراء. ✈️✈️

  • التحدي المناخي: لم تكن هذه الطائرات مكيفة؛ فكان الطيارون يعانون من برودة الاجواء شتاءً أو حرارة تصل إلى 50 درجة مئوية صيفاً، مما يؤدي لتبخر المياه من أجسادهم ومن "راديتيرات" المحركات. 🌡️💦

الفصل الخامس: "طريق الأخدود" كوثيقة سياسية 🗺️🏛️

لم يكن الأخدود مجرد علامة للطيران، بل كان "رسماً للحدود". فبينما كانت الدول ترسم خرائطها على الورق، كانت بريطانيا ترسم خريطتها على أديم الأرض. هذا الطريق هو الذي مهد لاحقاً لخط أنابيب النفط (IPC) ولخطوط السكك الحديدية فيما بعد. 🛢️🛤️

الذاكرة الحية للعراقيين في البادية تذكر كيف كان البدو ينظرون لهذا الأخدود الطويل الذي لا ينتهي، ويسمونه "درب الطيارة". صار الأخدود معلماً جغرافياً جديداً في صحراء العراق، وصار الناس يهتدون به في ترحالهم كما يهتدي به الطيارون في تحليقهم. 🐪✨

الفصل السادس: القصص الإنسانية.. رسائل لم تصل 💌💔

في مذكرات جليس، هناك قصص تدمي القلوب عن طيارين سقطوا ومعهم حقائب البريد. يروي جليس حادثة سقوط طائرة بريد بالقرب من "الرطبة"، وكيف وجدوا الطيار ميتاً وهو يحتضن حقيبة البريد ليحميها من ذئاب الصحراء. 🐺💀

هذه التضحيات هي التي جعلت من "البريد الجوي" في العراق أسطورة. لم يكن الأمر مجرد وظيفة، بل كان "مهمة إمبراطورية" مقدسة. الرسالة التي كتبتها أم في لندن لابنها الضابط في العراق، قطعت آلاف الكيلومترات، وعبرت البحار، وسلكت "طريق الأخدود" لتصل إليه وهي لا تزال برائحة الوطن. 🇬🇧🇮🇶

الفصل السابع: الذاكرة الحية وأهازيج البادية 🎤🏜️

مثلما كان لأهل الفرات "هوساتهم" ضد الطائرات القاصفة، كان لأهل البادية وعرب الصحراء نظرتهم لطائرات البريد. كانوا يسمونها "البريد الطاير". 🕊️ ويُذكر أن بعض شعراء البادية نظموا قصائد تصف هذه الطائرات وهي تتبع "الأخدود" بدقة مذهلة، مشبهين إياها بالقطا الذي يعرف موارده في الفلاة. 🦅✨

هذا التلاحم بين الآلة المتطورة والبيئة البدائية خلق حالة من "الانبهار التقني" الذي مهد لتقبل العراقيين لاحقاً لفكرة الطيران المدني وتأسيس الخطوط الجوية العراقية. 🛫🇮🇶

الفصل الثامن: الخلاصة.. إرث جون جليس 🕯️🎓

إن مذكرات جون جليس ليست مجرد سجل لرحلات جوية، بل هي شهادة على عصر البطولات الفردية. عصرٌ كان فيه الطيار هو المهندس والملاح والمقاتل في آن واحد. 🎖️

إن "طريق الأخدود" قد اندثر اليوم تحت رمال الصحراء، وحلت محله أنظمة الـ GPS والأقمار الصناعية. لكن ذكراه ستبقى خالدة في تاريخ الطيران العراقي؛ لأنه كان أول "شارع سماوي" عُبد بالكد والتعب ليربط العراق بالعالم. 🛰️🌐

بصفتي باحثاً، أرى أن البريد الجوي هو الذي "مدّن" الطيران في العراق. فبعد أن كانت الطائرات مرادفة للموت في غارة 1917 (كما ذكرنا في المقال الأول)، صارت في العشرينيات مرادفة للحياة والخبر السار والتواصل. 🕊️📈


انتهى المقال الثاني انتظرونا في المقال الثالث: "ملحمة الفالة  والمكوار.. حين تحدى الثوار العراقيون جبروت الطيران الإنجليزي في ثورة العشرين". ⚔️🇮🇶

google-playkhamsatmostaqltradent