recent
أخبار ساخنة

بغداد تحت أجنحة الاستعمار: زلزال "القلمجي" بداية عصر الرعب الجوي 1917

بغداد تحت أجنحة الاستعمار: زلزال "القلمجي" بداية عصر الرعب الجوي 1917 🏛️✈️

بقلم: مالك المهداوي

بعد الاطلاع على منشور المؤرخ والباحث في شؤون الطيران العسكري العراقي(الأستاذ زياد عبدالكريم) حول أول هجوم جوي على العاصمة بغداد, وبداية عصر من الرعب الجوي عام 1917, حين أصبحت تحت اجنحة الأستعمار, وما أحدثت من زلازل في بيت القلمجي مما أحدثت ضرراً غير مسبوق, لقد تم كتابة سلسلة مقالات من مذكرات طيار أنكليزي قرأته في ثمانييات القرن الماضي. 

الاستهلال: حين فقدت السماء براءتها 📜

​لطالما كانت بغداد مدينة الأسرار والأسوار، تحميها الجدران العباسية العتيدة وتلفها هيبة التاريخ. لكن في مطلع عام 1917، وفي غمرة الحرب العالمية الأولى، كان العراقيون على موعد مع تحول كوني في طبيعة الصراعات. لم يعد الموت يأتي زحفاً من الصحراء أو إبحاراً عبر دجلة، بل صار ينهمر من سحابة سوداء لا ترحم. 🌧️💥 في ذلك الشتاء، فقدت السماء البغدادية عذريتها، وتحول "أزيز" المحركات الغريبة إلى لحن جنائزي سيرافق ذاكرة المدينة لعقود طويلة.

بغداد تحت أجنحة الاستعمار: زلزال "القلمجي" بداية عصر الرعب الجوي 1917
بغداد تحت أجنحة الاستعمار: زلزال "القلمجي" بداية عصر الرعب الجوي 1917.

​لقد كانت بغداد في يناير 1917 تعيش مخاضاً عسيراً بين سلطة عثمانية تلملم أوراقها الأخيرة، وزحف بريطاني يقوده الجنرال "مود" من الجنوب. وفي هذا السياق، كان السلاح الجوي هو "رأس الرمح" الذي اختاره الإنجليز لكسر إرادة المدينة قبل دخولها برياً. 🇬🇧⚔️

الفصل الأول: تاريخ لا يُنسى.. 20 كانون الثاني 1917 📅

​في صبيحة يوم السبت، العشرين من كانون الثاني، كانت الأسواق البغدادية في "الميدان" و"الشورجة" تعج بالحركة الاعتيادية، قبل أن يقطع هدوءها صوتٌ لم تألفه الآذان. لم تكن صاعقة رعدية، بل كانت ثلاث طائرات بريطانية من طراز B.E.2c تشق سماء المدينة ببطء مدروس. 🚁

​كانت هذه الرحلة هي "أول غارة جوية" مسجلة في تاريخ العاصمة، ولم تكن مجرد استعراض قوة، بل كانت مهمة قتالية دقيقة استهدفت عصب الإدارة العثمانية. سبع قنابل بدائية الصنع، أُلقيت يدوياً، كانت كفيلة بأن تعيد رسم جغرافيا الرعب في قلوب الأهالي. 💣

الفصل الثاني: تحليل أهداف الغارة.. لماذا هذه المواقع؟ 📍

​الغارة لم تكن عشوائية، بل كانت "جراحة" عسكرية استهدفت مراكز الثقل:

  1. ثكنة القلعة في الميدان: كانت تمثل الرمز العسكري للدولة العثمانية. بسقوط القنبلة الأولى عليها، سقطت هيبة القوة البرية العثمانية، وسجلت الذاكرة الحية أول ضحية بشرية للقصف الجوي في بغداد. 💂‍♂️🔥
  2. محطة قطار غرب بغداد: (محطة العالمية لاحقاً). كان استهدافها يهدف لقطع شريان الحياة عن القوات التركية-الألمانية، ومنع وصول التعزيزات عبر سكة حديد "برلين-بغداد" الشهيرة. 🚂🚫
  3. المدرسة النعمانية ودائرة البريد: ضرب مراكز الاتصال والتعليم كان يهدف لإحداث شلل إداري تام ونشر الفوضى في صفوف الموظفين والطلاب. 🏫✉️
  4. منطقة القشلة ودار القلمجي: هنا تكمن القصة الإنسانية الأكثر تأثيراً. خلف بناية القشلة (مركز الحكم)، سقطت قنبلة أدت لدمار دار السيد أيوب جلبي القلمجي، أحد كبار تجار التبغ. هذا الدمار لم يكن مادياً فحسب، بل كان رمزياً؛ فإذا كان كبار التجار والوجهاء غير آمنين في حصونهم، فماذا عن عامة الناس؟ 🏠💨

الفصل الثالث: "زلزال القلمجي".. الذاكرة الحية خلف الزجاج المحطم 🏚️💎

​تذكر الروايات المتواترة من أزقة بغداد القديمة أن وقع انفجار دار القلمجي كان أقوى من صوت القنبلة نفسها. في ذلك الزمان، كانت البيوت البغدادية تعتمد على "الشناشيل" الخشبية والزجاج الرقيق الملون. حين وقع الانفجار، تحطم زجاج البيوت المحيطة بالقشلة في دائرة واسعة، وهو ما لم يألفه الناس من قبل. 😱

​لقد كانت "الذاكرة الحية" تصف كيف خرج الناس إلى الشوارع يتساءلون: "أيُّ نارٍ هذه التي تكسر الزجاج بضغط الريح؟". لقد تحول اسم "القلمجي" من كونه اسماً لتاجر مرموق إلى علامة فارقة في تاريخ الحروب الجوية؛ فقد كان بيته هو "المختبر" الأول الذي اختبر فيه العراقيون معنى القصف المساحي وتأثير الارتجاج الجوي. 🏺🌪️

الفصل الرابع: طيور النار.. تشريح طائرة B.E.2c 🛠️✈️

​لنتوقف قليلاً عند الجانب التقني الذي يستهوي عشاق الطيران. الطائرة التي نفذت الغارة هي Royal Aircraft Factory B.E.2c. بمقاييس عصرنا، تبدو هذه الطائرة كأنها مصنوعة من الورق والخشب، لكنها في 1917 كانت "فانتوم" عصرها.

  • المحرك: محرك ضعيف القوة (90 حصان تقريباً)، يصدر صوتاً يشبه محرك الحاصدة الزراعية.
  • التسليح: لم تكن هناك منصات إطلاق إلكترونية. كان الطيار يضع القنابل في "سلة" بجانبه أو تحت مقعده، ويميل بجسمه خارج المقصورة المفتوحة، متحدياً الرياح والبرد، ليلقي القنبلة بيده وهو ينظر للأسفل. 🤲💣
  • الملاحة: كانت تعتمد كلياً على البصر. كان دجلة هو "الرادار" الطبيعي للطيارين الإنجليز؛ يتبعون انحناءات النهر ليعرفوا طريقهم إلى قلب بغداد. 🌊🗺️

الفصل الخامس: مذكرات "جون جليس" ورفاقه.. رؤية من الأعلى 🖊️🇬🇧

​بالعودة إلى مذكرات الطيارين الإنجليز الذين عاصروا تلك الحقبة، نجد وصفاً دقيقاً لبغداد من قمرة القيادة. يكتب أحد الزملاء المعاصرين لـ جون جليس: "بغداد من الأعلى تبدو كغابة من النخيل تسبح في ضباب الصباح، تبرز منها قباب المساجد الذهبية كأنها جواهر منثورة. لكن خلف هذا الجمال، كانت تخرج لنا نيران البنادق 'الموزر' من كل زقاق، مما يجعل التحليق المنخفض انتحاراً معلناً". 🕌✨

​كان الطيارون يدركون أنهم يغيرون قواعد اللعبة. لم يعد الجندي العثماني المختبئ خلف خندقه آمنًا، فالطائرة تكشف كل شيء. مذكرات جليس تشير إلى أن بغداد كانت "الهدف الأسمى"؛ فسقوطها معنوياً تحت أجنحة الطيران كان يعني نهاية الإمبراطورية في بلاد ما بين النهرين. 📉🧭

الفصل السادس: الأثر النفسي والسياسي.. التمهيد للجنرال مود 👣🗡️

​بعد غارة 20 كانون الثاني، تغيرت نبرة الأحاديث في المقاهي البغدادية. ساد شعور بأن "العثماني" لم يعد قادراً على حماية السماء، وأن القوة الجديدة قادمة لا محالة. كانت الغارة جزءاً من "حرب الأعصاب". فبعد أقل من شهرين، وتحديداً في 11 آذار 1917، دخل الجنرال "ستانلي مود" بغداد، معلناً عبارته الشهيرة: "لم نأتِ كفاتحين، بل كمحررين". 📢🌿

​لكن العراقيين الذين رأوا دار القلمجي تتهدم، عرفوا أن هذا "التحرير" يأتي محمولاً على أجنحة قاذفات القنابل، وأن عهداً جديداً من الاستعمار التقني قد بدأ. ⛓️✈️

الفصل السابع: من بغداد إلى كركوك.. رحلة لا تنتهي 🏔️📍

لم تنتهِ قصة الطيران بسقوط بغداد. بل كانت تلك الغارة مجرد "بروفة" لما سيحدث في العشرينيات. انتقلت الطائرات من مطار بغداد (الهنيدي) إلى مطار كركوك، لتبدأ فصلاً جديداً من "معالجة" التمردات، وعلى رأسها حركة الشيخ محمود الحفيد في السليمانية. 🚩

​هنا برز دور الطيارين في "التحكم من الجو". فبدلاً من إرسال جيوش برية تتيه في جبال الشمال الوعرة، كان الطيران هو الحل الأسرع والأقل تكلفة للإمبراطورية البريطانية. 🦅⛰️

الفصل الثامن: الخاتمة.. دروس من الذاكرة الحية 🕯️📖

​إن توثيق غارة 20 كانون الثاني 1917 ليس مجرد سرد لوقائع حربية، بل هو استرداد لجزء من الهوية الوطنية العراقية. إنها القصة التي تخبرنا كيف استقبل أجدادنا التكنولوجيا الحديثة، وكيف صمدوا أمام زلزال "القلمجي".

​بصفتي باحثاً وطياراً، أرى في هذه الغارة نقطة الانطلاق لتاريخ الطيران العراقي. فمن رحم هذه المعاناة، ومن مشاهدة هذه الطائرات الغريبة، ولدت الرغبة لدى الجيل الأول من الطيارين العراقيين لتأسيس "القوة الجوية العراقية" في عام 1931، ليكون للسماء العراقية حراس من أبنائها، لا طيوراً غريبة تنهمر منها القنابل. 🇮🇶✈️

​ستبقى صورة القشلة والدخان المتصاعد منها وثيقة أبدية على أن بغداد، وإن قُصفت أجنحتها، تظل دائماً قادرة على التحليق من جديد من وسط الرماد. 🦅🔥

انتظرونا في المقال القادم: "طريق الأخدود.. مغامرة البريد الجوي بين القاهرة وبغداد في مذكرات جون جليس". 📬🌵

google-playkhamsatmostaqltradent