حين أنقذت «عصلقة» الحجوزات الفنانة سميرة توفيق من الموت: كواليس نجاة نجمة البادية من حادثة «لوكربي» 1988
بقلم: المحرر المسيطرالجوي.
التصنيف: قصص طيران / حوادث تاريخية / ذاكرة الفن والطيران.
تنطوي أرشيفات الطيران المدني وحوادث الجو الكبرى على مفارقات قَدَرية تُعيد تشكيل مصائر البشر في لحظات خاطفة؛ فبينما تقود تفاصيل صغيرة جداً إلى كوارث مأساوية، تبدو بعض «العراقيل الإدارية» أو المشادات العابرة في مكاتب حجز التذاكر بمثابة طوق نجاة يُكتب به عمر جديد (الرحلة KAL 007: الليلة التي تاهت فيها "الجامبو الكورية).
|
| حين أنقذت «عصلقة» الحجوزات الفنانة سميرة توفيق من الموت: كواليس نجاة نجمة البادية من حادثة «لوكربي» 1988. |
ومن بين أغرب هذه القصص التي جمعت بين عالم الفن العربي وواحدة من أكثر الحوادث الجوية المأساوية في القرن العشرين، تأتي قصة نجاة الفنانة اللبنانية الكبيرة سميرة توفيق وفرقتها الموسيقية من الموت المحقق على متن رحلة شركة الطيران الأمريكية العريقة (Pan Am - الرحلة 103)، التي انفجرت فوق بلدة لوكربي (Lockerbie) الإسكتلندية في الشتاء التاريخي لعام 1988.
1. ليلة الشتاء الدامي: كارثة الرحلة Pan Am 103
في 21 كانون الأول / ديسمبر 1988، كانت طائرة البوينغ 747-121 التابعة لشركة «بان أمريكان» (المسماة Clipper Maid of the Seas) تحلق في سماء إسكتلندا وهي في طريقها من مطار هيثرو في لندن إلى مطار جون إف كينيدي في نيويورك.
بعد حوالي 38 دقيقة من الإقلاع وعلى ارتفاع 31,000 قدم، انفجرت عبوة ناسفة مصنعة من مادة (Semtex) المخبأة داخل جهاز تسجيل في صندوق الشحن الأمامي. أدى الانفجار لتفكك هيكل الطائرة وسقوط حطامها فوق حي سكني ببلدة لوكربي، مما أسفر عن مقتل جميع من كان على متنها وعددهم 259 شخصاً (243 راكباً و16 من الطاقم)، إضافة إلى 11 شخصاً من سكان البلدة على الأرض، لتسجل واحدة من أسوأ الفواجع في تاريخ الطيران المدني الدولي.
2. لقاء عابر في لندن: الدكتور فهد الشليمي يوثق الشهادة
لم تكن هذه القصة مجرد شائعة من شائعات الوسط الفني، بل جاءت موثقة بشهادة حية رواها الدكتور فهد الشليمي؛ حيث التقى بالفنانة سميرة توفيق شخصياً في صيف إحدى السنوات العاصمة البريطانية لندن، وتحديداً داخل متجر الألبسة الشهير «آدمز - Adams» (الذي تحول لاحقاً إلى السلسلة المعروفة Primark).
أثناء الحديث العابر وشراء هدايا الأطفال لأولاد أختها المقيمين في الولايات المتحدة، تطرق الحوار إلى إسكتلندا وحوادث الطيران، لتروي الفنانة بنفسها للدكتور الشليمي الكواليس المذهلة لليلة التي كان مُفترضاً أن تتواجد فيها على متن تلك الرحلة المنكوبة.
3. «صراع المقاعد الستة»: كيف أنقذت الفرقة الموسيقية حياة الفنانة؟
تبدأ تفاصيل الواقعة في كواليس التحضير لجولة فنية كانت مزمعة للفنانة سميرة توفيق في الولايات المتحدة الأمريكية ليلة الميلاد عام 1988.
كان المقرار أن تسافر المطربة برفقة طاقمها الموسيقي ومتعهد الحفلات - والبالغ عددهم نحو 20 شخصاً - عبر خطوط «بان أمريكان» المنطلقة من لندن إلى نيويورك (الرحلة 103). وعند مراجعة حجز التذاكر في مطار هيثرو، تفاجأ المتعهد بوجود شواغر لـ 14 شخصاً فقط، بينما لم تتوفر مقاعد للموسيقيين الستة المتبقين، مع اقتراح من موظفي الشركة بأن تسافر الفنانة والجزء الأكبر من الفرقة على رحلة الأربعاء (21 ديسمبر)، على أن يلحق بهم البقية في اليوم التالي.
أمام هذا المشهد، أبدت الفنانة سميرة توفيق إصراراً شديداً على عدم تجزئة فرقتها الموسيقية، ورفضت صعود الطائرة بدون اكتمال طاقمها العازف، قائلة بغضب: "إما أن نطلع جميعاً أو نلغي الرحلة ونؤجل السفر!". وبعد نوبة من الاحتجاج في مكاتب الحجز، غادرت الفنانة والموسيقيون المطار عائدين إلى الفندق في لندن.
4. أربع ساعات بين الموت والفرح: الاتصال الذي أعاد الروح
لم تكن عائلة الفنانة في الولايات المتحدة تعلم بقرار تأجيل السفر؛ إذ كانت أختها والمتعهد الاستقبالي ينتظران وصول طائرة البان أمريكان في مطار نيويورك الساعة الثامنة صباحاً بالتوقيت المحلي.
ومع حلول المساء، بدأت شاشات الأخبار العالمية تبث العاجل الأليم: "سقوط طائرة بان أمريكان الرحلة 103 فوق لوكربي ومصرع جميع ركابها".
سادت حالة من الذهول والبكاء العارم لدى أقارب الفنانة والمتعهد في أمريكا، الذين قضوا ساعات عصيبة وهم يعتقدون أن سميرة توفيق وفرقتها باتوا في عداد الضحايا. ولم تتبدد هذه الفاجعة إلا بعد مرور أكثر من أربع ساعات، عندما تمكن متعهد السفر في لندن من الاتصال بالفندق، لترد عليه سميرة توفيق بنفسها وتخبره بأن الفرقة لم تصعد على متن الطائرة بسبب مشكلة المقاعد، لينقلب المأتم الشديد في نيويورك إلى فرحة عارمة بنجاة الفنانة وفرقتها بالكامل.
5. خطأ النظام الليبي وتكلفة «الفصل السابع»: 2.7 مليار دولار تعويضات
لم تكن حادثة لوكربي مجرد حادث جوي، بل تحولت إلى واحدة من أكبر القضايا السياسية والقانونية الدولية التي أطرت علاقة الغرب بالنظام الليبي السابق بقيادة معمر القذافي.
فبعد تحقيقات استخبارية وقضائية استمرت سنوات شاركت فيها الـ (FBI) والشرطة الإسكتلندية، وجه الاتهام المباشر لضباط في الاستخبارات الليبية. وتحت طائلة العقوبات الدولية الصارمة وفرض أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وتجميد الأصول الليبية في المحاكم الأمريكية والأوروبية، اضطر النظام الليبي عام 2003 لإبرام تسوية تاريخية:
-
حجم التسوية: دفع مبلغ 2.7 مليار دولار أمريكي لتعويض أسر الضحايا (بواقع 10 ملايين دولار عن كل ضحية من الـ 270 ضحية).
-
الثمن السياسي: اعتراف ليبيا الضمني بالمسؤولية الإدارية عن أفعال مسؤوليها، مقابل فك التجميد عن أرصدتها ودفع العقوبات الاقتصادية عنها لإعادة إدماجها في النظام الدولي.
خاتمة: بين ذاكرة الفن وأرشيف السحاب
تظل قصة نجاة الفنانة سميرة توفيق من حادثة لوكربي شهادة حية على أن خط سير الرحلات الجوية ومواعيد الإقلاع لا تخضع فقط لجدول الطائرات، بل لقوانين القدر التي تُغير مسار التاريخ الإنساني والشخصي في لحظة واحدة. وكما أصبحت لوكربي درساً قاسيًا في تاريخ أمن الطيران وقوانين التعويضات الدولية، بقيت هذه الواقعة واحدة من أغرب الذكريات التي وثقها الدكتور فهد الشليمي نقلاً عن لسان الفنانة الكبيرة نفسها.
