recent
أخبار ساخنة

رادار الأرواح"| حين تعانق صوت المسيطر مع أجنحة "الجت ستار" في سماء كركوك

 ✈️ "رادار الأرواح"| حين تعانق صوت المسيطر مع أجنحة "الجت ستار" في سماء كركوك 🌧️

​بقلم: رائد مسيطر مالك.

​في حياة كل إنسان لحظة يختبر فيها القدر معدنه الأصيل، ولحظة أخرى يأتيه فيها "شكرٌ" متأخر ليعيد ترتيب أوراق الذاكرة. بدأت حكايتي في عام 1995، في قاعدة الوليد الجوية (H3) المربضة في غرب العراق وقلب الصحراء. كان الغروب ينسج خيوطه حين صعدنا تلك الباصات الكبيرة التي تنقلنا الي القاعدة في "وجبات المجازين والملتحقين" ثلاث مرات أسبوعياً. 🚌

رادار الأرواح"| حين تعانق صوت المسيطر مع أجنحة "الجت ستار" في سماء كركوك
رادار الأرواح"| حين تعانق صوت المسيطر مع أجنحة "الجت ستار" في سماء كركوك .

في ذلك المساء، جلس بجانبي ضابط طيار برتبة مقدم، نُقل حديثاً إلى حركات القاعدة. وبعد تبادل التحايا المعتادة، قال بوقار: "أنا المقدم كريم، من أسراب النقل". أجبته بابتسامة الزميل: "أهلاً سيدي، أنا الرائد المسيطر مالك". 🤝

​هنا، حدث ما لم أتوقعه! ضحك المقدم كريم ضحكة مدوية هزت أركان الباص، ونظر إليّ بعينين تلمعان بالامتنان وقال: "سبحان الله! يا مالك.. أنت لك دينٌ في رقبتي، وأنا أبحث عنك منذ 6 سنوات لأقبلك وأشكرك على إنقاذ حياتي وحياة ركابي!" 😲.

​صمتُّ مذهولاً، فتابع وعيناه تسافران عبر الزمن: "أنا كنت قائد طائرة الـ (Jet Star) في تلك الليلة المشؤومة.. علمتني تلك الرحلة على الرغم من أني طرت في كل مطارات العالم، لكنني لم أواجه أصعب من موقف تلك الليلة في قاعدة الحرية". 🛫

​🌩️ ليلة "العمى الجوي": شتاء 1989 في قاعدة الحرية

​نعود بالزمن إلى شتاء عام 1989، تحديداً في قاعدة الحرية الجوية بكركوك. كانت القاعدة تضم مدرجين رئيسيين (15-33) و (11-29). في تمام الثامنة مساءً، تحولت السماء إلى سجن من الرصاص؛ غيوم ركامية، أمطار لا تتوقف، وضباب كثيف خنق الرؤية حتى أصبحت أقل من 500 متر، بينما هبطت قاعدة الغيم إلى 750 متراً (أو هكذا قالت التقارير الأولية، قبل أن تسوء الأمور أكثر). 🌫️⛈️

​كنت في منزلي القريب من القاعدة، أتحضر لتناول العشاء، حين رنّ الهاتف الأرضي. كان المتحدث هو النقيب المسيطر عامر طه، المسيطر الأقدم مني والمشهور بمزاحه الدائم.

​"هلو سيدي"، قلتها بعفوية.

​أجاب بجدية غريبة: "مالك.. اركب سيارتك فوراً وتعال للقاعدة!" 🏎️

​استغربتُ: "خير سيدي؟"

​قال: "هناك طائرة VIP نوع (Jet Star) قادمة من بغداد".

​نظرتُ من النافذة، كان المطر يضرب الزجاج كأنه رصاص. ضحكتُ بمرارة وقلت: "سيدي أكيد تمزح معي! من يطير في هذا الجو؟". لكنه رد بحزم: "والله (ما أشاقيك) اي لا امزح معك، وأمر القاعدة طلبك أنت بالاسم رغم أنك رقم 6 في تسلسل مسيطر رادار القاعدة!". 🫡

​🏃‍♂️ السباق مع الزمن: من البيت إلى شاشة الرادار

​خرجتُ كالمجنون. لم يسعفني الوقت حتى لإغلاق أزرار قميصي العسكري؛ اكتفيت بـ "البلوزة" فوقه، وشغلت سيارتي وانطلقت. كانت مساحات الزجاج تعمل بأقصى سرعتها، لكنها كانت عاجزة أمام طوفان السماء. 🌊

​وصلتُ إلى وحدة السيطرة والأنواء الجوية، دخلت غرفة الرادار لاهثاً. كان زميلي الملازم المسيطر "كاكا كمال مصطفى مجيد" في البرج. طلبت التقرير الجوي الفعلي، فكانت الصدمة: الجو يزداد سوءاً، والنزول سيكون على المدرج الرئيسي 33. الغريب أن "المستقبلين" للطائرة من كبار الضباط والمسؤولين كانوا جالسين داخل سياراتهم قرب ساحة وقوف طائرات الوفود من جهة المدرج 33 ومن شدة المطر، هم لا يرون شيئاً! 🚗⛈️

​🎙️ معركة "التوجيه الراداري": حين يصبح الصوت هو "العين"

​اتصلتُ بالقاطع لتحويل الطائرة على موجة "تقرب القاعدة". ظهر صوت الطيار (المقدم كريم) حين وصل منطقة سامراء. هناك، كان الجو صافياً، لكنه كان يتجه نحو "فخ" من الضباب في الشمال. 🛰️

​بدأتُ بتحديد موقعه بدقة. كان هناك تحذير من الطيران شرق مدينة الطوز، فطلبت منه الانحراف لتجنب المنطقة الخطرة. بدأت عملية التقرب النهائي (Surveillance Approach). أنزلته إلى ارتفاع 500 متر. 📉

​كانت الكلمات تخرج مني كنبضات القلب، متواصلة بلا انقطاع:

​"المسافة 10 كم.. الارتفاع كذا.. الاتجاه كذا.. أنت على المسار الصحيح". 📡

​عندما وصل إلى مسافة 4 كم من المدرج، سألته بنبرة هادئة لإخفاء قلقي: "هل ترى إنارة المدرج؟".

جاء صوته مخنوقاً: "أخوي .. كلشي ما أشوف! الغيم نزل لـ 250 متر!". 😰

​في تلك اللحظة، لم يعد هناك مجال للتراجع. الطائرة تقربها صحيح 100%، والعودة لبغداد صعبة، والنزول ا! اصعب. قلت له بلهجة الواثق: "اعتمد عليّ تماماً سيدي.. استمر". 👊

​بدأتُ أعطيه المسافات بـ "الأرباع":

​"750 متر.. 500 متر.. 250 متر.."

​صرخ: " قائلأ، والله ما شايف حتى الضوء!"

​قلت له: "الآن أنت فوق منطقة الهبوط.. اقفل الوقود.. Touch Down!" 🛬🔥

​حبستُ أنفاسي. لم أعد أرى شيئاً على الرادار سوى نقطة ثابتة. قلت له: "بنهاية المدرج الحق عجلة الإرشاد". تركنا الرادار وركضتُ إلى البرج. 🏃‍♂️

​✨ معجزة على المدرج

​في البرج، كان كاكا كمال مذهولاً. أخبرني: "مالك، الطيار كان يترحم على والديك ويشكرك، وسأل بالاسم: من هو مسيطر الرادار؟". 😇

​في هذه الأثناء، اتصل آمر القاعدة بجهاز الشنوا (الذي كان ينتظر في سيارته قرب المدرج) يسأل بغضب: "أين الطائرة؟ لماذا لم تصل؟".

قلت له بابتسامة نصر: "سيدي، الطائرة الآن في نهاية المدرج!". 📞

صدم الآمر: "غير معقول! مرت من أمامنا ولم نرها؟".

​نعم، لقد كانت الرؤية معدومة تماماً لدرجة أن طائرة ضخمة مرت بجانبهم ولم يلحظوا سوى هدير محركاتها وسط زئير العواصف. نزل الركاب بسلام، وبقيت الطائرة فترة قصيرة ثم عادت لبغداد بعد تحسن طفيف. ✅

​🌯 ختام الليلة: عشاء "الانتصار"

​بعد أن انفضّ الزحام، طلبت مني "المفرزة الفنية" للرادار عشاءً لأنهم كانوا يتضورون جوعاً بعد هذا التوتر. ذهبتُ بسيارتي إلى المدينة، جلبتُ لهم الطعام، وعدتُ إلى بيتي تحت زخات المطر، لكن هذه المرة بقلبٍ هادئ وفخرٍ لا تسعه الأرض. 😊

​🌹 رسالة عرفان

​تلك المصادفة في باص قاعدة الوليد عام 1995، جعلتني أدرك أن العمل المخلص لا يضيع أبداً. شكراً لكل من علمني فن الرادار، شكراً لأساتذتي الذين جعلوا من صوتي "منارة" للسفن التائهة في أعالي الغيم. 🎓

​نحن جنود الظل، عيوننا لا تنام لكي ينام الآخرون بسلام.

​📝 توصية للقراء

​"في هذه السطور، لن تقرأ مجرد مذكرات عسكرية، بل ستعيش ملحمة إنسانية تثبت أن الإخلاص في العمل هو صمام أمان للحياة. قصة الرائد المسيطر مالك مع طائرة 'الجت ستار' في ليلة شتائية غاضبة عام 1989، ليست مجرد توجيه راداري، بل هي تجسيد للثقة المطلقة بين إنسانين فرقهما الضباب وجمعهما الإيمان بالواجب.

​ندعوكم لقراءة هذه التجربة التي تذكرنا بأن 'المعجزات' غالباً ما تكون خلفها عقول ساهرة، وقلوب شجاعة، ومهنية لا تقبل الخطأ. إنها قصة عن الامتنان الذي لا يموت، وكيف يمكن لموقف واحد أن يظل محفوراً في ذاكرة طيار لثلاثين عاماً." ✈️✨

❓ الأسئلة الشائعة حول "عناق الرادار"

1. ما هو نوع التقرب الراداري الذي استُخدم في تلك الليلة؟ تم استخدام تقنية Surveillance Approach (التقرب التوجيهي)، حيث يقوم مسيطر الرادار بإعطاء الطيار توجيهات مستمرة للمسافة والارتفاع والاتجاه، ليكون هو "عين الطيار" البديلة في حالات انعدام الرؤية.

2. لماذا كان الهبوط في قاعدة الحرية (كركوك) صعباً جداً؟ بسبب التضاريس المحيطة والظروف الجوية التي وصلت فيها قاعدة الغيم إلى 250 متراً ومدى الرؤية لأقل من 500 متر، وهو ما يعتبر تقنياً "حالة عمى جوي" تتطلب دقة متناهية في التوقيت.

3. هل طائرة الـ Jet Star مجهزة لهبوط آلي كامل؟ في تلك الفترة، كانت الطائرات تعتمد بشكل كبير على مهارة الطيار وتوجيهات السيطرة الأرضية. في هذه الحالة، كان الاعتماد 100% على صوت المسيطر الجوي بسبب فشل الرؤية البصرية للمدرج.

4. كيف التقى المسيطر مالك بالطيار بعد 6 سنوات؟ كان لقاءً قدرياً في باص نقل "المجازين" بقاعدة الوليد الجوية عام 1995، حيث تعرف المقدم كريم (الطيار) على اسم الرائد مالك، وكانت لحظة وفاء نادرة كشفت عن حجم الامتنان الذي حمله الطيار طوال تلك السنين.

5. ما هي أهمية "عجلة الإرشاد" (Follow Me) التي ذكرت في القصة؟ بعد الهبوط الناجح في ظروف انعدام الرؤية، لا يستطيع الطيار رؤية مسارات التدريج (Taxiways)، لذا تأتي عجلة الإرشاد لتقوده بأمان إلى مرابض الطائرات.

google-playkhamsatmostaqltradent