سيناريو "جزيرة خرج"| هل تضع واشنطن حجر الزاوية لخارطة شرق أوسطية جديدة؟
بقلم: مالك المهداوي.
في القاموس العسكري، لا تُقاس الضربات بقوة الانفجار فحسب، بل بدقة الاختيار. تمثل جزيرة "خرج" الإيرانية في الخليج العربي أكثر من مجرد قطعة أرض بمساحة 25 كيلومتراً مربعاً؛ إنها "الرئة" التي يتنفس منها الاقتصاد الإيراني، حيث يمر عبر أرصفتها ما يزيد عن 90% من صادرات النفط الخام.
![]() |
| سيناريو "جزيرة خرج"|هل تضع واشنطن حجر الزاوية لخارطة شرق أوسطية جديدة؟ |
والحديث اليوم عن ضربة أمريكية تستهدف النقاط العسكرية في هذه الجزيرة دون المساس بالمنشآت النفطية (بنسبة تأثير 0%)، يفتح الباب أمام قراءة استراتيجية تتجاوز مجرد "العقاب" إلى "الاحتواء والسيطرة".
"خرج" كصمام أمان ومنطلق للسيطرة
تكمن عبقرية الموقع الجغرافي لجزيرة خرج في إشرافها المباشر على ممرات الملاحة في الخليج وصولاً إلى مضيق هرمز. السيطرة عليها تعني عملياً التحكم في شريان الحياة المالي للنظام الإيراني.
وحين تختار الولايات المتحدة تحييد الدفاعات الجوية ومراكز قيادة الحرس الثوري في الجزيرة مع الحفاظ على سلامة الموانئ النفطية، فهي ترسل رسالة واضحة: "نحن هنا لنستلم الإدارة، لا لندمر الثروة".
دروس التاريخ: من الفلوجة إلى "خرج"
يبدو أن صانع القرار العسكري الأمريكي قد استوعب "درس العراق" القاسي. فبدلاً من الدخول في حرب مدن استنزافية كما حدث في الفلوجة، تعتمد الاستراتيجية الحالية على "تحضير المسرح". تبدأ هذه الخطة بقطع رأس الهرم القيادي وتحييد مراكز القوة، مما يجعل المقاومة الأرضية هشة وغير منظمة.
وتشير التقديرات إلى تحضير إنزال جوي وبحري لنحو 2500 من مشاة البحرية (المارينز) في الجزيرة. هذا العدد، رغم صغره نسبياً، يكفي للسيطرة على نقطة ارتكاز استراتيجية (Bridgehead) تكون منطلقاً لأي تحرك بري أوسع باتجاه إقليم الأحواز أو الداخل الإيراني، في ظل غياب قيادة مركزية قادرة على الرد.
استراتيجية "الإذعان المنظم": نموذج هيروشيما المعاصر
في سيناريو يحاكي استسلام اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، تبرز فرضية الاستفادة من "بقايا القيادة". الهدف ليس مجرد تدمير النظام وتركه في حالة فوضى عارمة، بل دفع من تبقى من المسؤولين إلى قبول واقع جديد يضمن انتقالاً "منظماً" للسلطة.
هؤلاء المسؤولون، وتحت وطأة الشلل العسكري التام، قد يجدون أنفسهم مضطرين لاستقبال القوات الأمريكية لتجنب انهيار الدولة الكلي. واشنطن هنا لا تبحث عن ديمقراطية فورية، بل عن "استقرار تحت السيطرة" يمنع تحول إيران إلى ثقب أسود من الفوضى المسلحة التي قد تحرق المنطقة بأكملها.
نهاية "الأذرع": ما بعد السقوط العسكري
تتجاوز تداعيات السيطرة على "خرج" الحدود الإيرانية لتصل إلى "الوكلاء" في العراق ولبنان واليمن. إن قطع "المركز" يعني آلياً جفاف منابع التمويل والدعم العسكري لهذه الجماعات.
وبحسب القراءة العسكرية، فإن سقوط جزيرة خرج وتثبيت التواجد الأمريكي فيها هو الخطوة الأولى نحو رسم خارطة جديدة للشرق الأوسط، تنتهي فيها حقبة "نفوذ الملالي" وتبدأ مرحلة توازنات تقودها القوة العظمى الوحيدة في المنطقة.
زلزال أسعار النفط: من "صدمة العرض" إلى "الاستحواذ الاستراتيجي"
لطالما كان التهديد الإيراني بإغلاق مضيق هرمز بمثابة "القنبلة الموقوتة" لأسواق النفط. لكن السيطرة الأمريكية على جزيرة خرج (دون تدمير منشآتها) تقلب الطاولة تماماً:
نزع فتيل التهديد: بمجرد وجود المارينز في "خرج"، تفقد طهران قدرتها على استخدام ورقة "تعطيل الملاحة" كأداة للضغط السياسي. هذا سيؤدي في البداية إلى تذبذب حاد وقصير المدى في الأسعار نتيجة حالة الذعر (Panic Buying)، يليه استقرار طويل الأمد بمجرد تأكد الأسواق من أن تدفق الـ 90% من النفط الإيراني أصبح تحت إدارة دولية مستقرة.
تغيير وجهة العائدات: الحفاظ على المنشآت بنسبة تأثير 0% يعني أن النفط سيستمر في التدفق، لكن وجهة الأموال ستتغير. لن تذهب لتمويل الحرس الثوري، بل قد تُوضع تحت "وصاية دولية" أو "صندوق إعادة إعمار"، مما يعني تجفيف منابع تمويل الوكلاء في المنطقة فوراً وبشكل آلي.
إعادة رسم التوازنات في دول الجوار (العراق، لبنان، اليمن)
سقوط "المركز" في جزيرة خرج سيؤدي إلى ظاهرة "تساقط قطع الدومينو" في العواصم التابعة لنفوذ طهران:
العراق (الساحة الأكثر تأثراً): مع فقدان الدعم اللوجستي والمالي المباشر، ستجد الفصائل المسلحة نفسها في مواجهة خيارين: الانخراط الكامل في مؤسسات الدولة والقبول بالواقع الجديد، أو التلاشي تدريجياً نتيجة غياب "الغطاء الإقليمي". السيطرة على خرج تعني أن الحدود العراقية-الإيرانية لم تعد ممراً آمناً للنفوذ القديم.
لبنان واليمن: يعتمد حزب الله والحوثيون بشكل جوهري على "الزخم المعنوي والمادي" القادم من طهران. السيطرة الأمريكية على المنفذ البحري الوحيد لتصدير النفط الإيراني تعني أن "سلاسل التوريد" قد قُطعت من المنبع. سيؤدي ذلك إلى ضعف القدرة على المناورة العسكرية والسياسية، مما يمهد الطريق لفرض تسويات سياسية كانت مستعصية سابقاً.
رسالة إلى القوى الدولية (الصين وروسيا)
الصين هي المستورد الأكبر للنفط الإيراني. السيطرة الأمريكية على "خرج" تعني أن واشنطن ستمسك بـ "خناق" الطاقة المتجهة إلى بكين. هذا التحول سيجبر القوى العظمى على إعادة تقييم تحالفاتها في المنطقة، حيث تصبح أمريكا هي "الضامن" الوحيد لتدفقات الطاقة من الخليج، مما يعزز قطبيتها الأحادية في الشرق الأوسط لعقود قادمة.
الخلاصة: إن اختيار جزيرة خرج كهدف ليس مجرد اختيار جغرافي، بل هو "جراحة دقيقة" تهدف لاستئصال القوة المالية والعسكرية للنظام دون تدمير الدولة ككيان. إنها محاولة لتجنب سيناريو الفوضى الذي أعقب غزو العراق عام 2003، من خلال السيطرة على "الموارد" أولاً ثم "الإدارة" ثانياً.
