"عناق الصفر: طياري الـ MIG 23 BN في جحيم بندر ماهشهر"
بقلم: مالك المهداوي.
تنفرد مجلتنا بتقديم قصص الطيران الحقيقية من مذكرات طيار عراقي في عناق الصفر في ملحمة طياري الـ MIG 23 BN في جحيم بندر ماهشهر من قصص الحرب العراقية الايرانيه, حرب الخليج الاولى التي بدأت في 1980 وانتهت علم 1988, التي خلفت ملايين القصص التي تحتفظ بها الصدور.
"صمتُ نهاوند "وعناق الصفر: صقور الـ 23 BN في جحيم بندر ماهشهر"
(قصة رحلة الـ 50% مفقود.. حين صعد الدخانُ ليُقبل السماء)
المقدمة:لم تكن الحرب يوماً مجرد أوامر عسكرية أو خطوط مرسومة على الخرائط، بل كانت "أنفاساً" تُحبس في قمرات القيادة، وقلوباً ترفرف بين سحابة ونار. في تموز 1986، لم يكن تشكيل من طياري السرب 29 يعلمون أن خروجهم من قاعدة "البكر" بملابس بسيطة، سيفضي بهم إلى واحدة من أعنف الملاحم الجوية في تاريخ القوة الجوية العراقية.
![]() |
| عناق الصفر: طياري الـ MIG 23 BN في جحيم بندر ماهشهر |
هذه ليست حكاية عن الحديد والبارود فحسب، بل هي سيرة "الطياريين" الذين واجهوا الموت بابتسامة ساخرة وسيجارة وداع. إنها قصة الملازم الأول الطيار "العبيدي" ورفاقه، الذين طاروا بارتفاع يلامس رذاذ الموج، وتحدوا رادارات الفانتوم، وعادوا بطائرات تنفس الصعداء في لحظة الوصول. في السطور التالية، نفتح الصندوق الأسود للذاكرة، لنقرأ فصولاً كُتبت بالوقود والدم واليقين، عن يومٍ انفتحت فيه أبواب الجحيم، وكان "التكريم الوحيد" فيه.. هو النجاة.
في "نهاوند"، كانت السماء تبدو هادئة، والتوقعات بسيطة كبساطة الأمتعة التي حملها الطيارون؛ واجب قصف معسكرات معادية روتيني ينتهي بالعودة إلى القواعد. لكنّ نداء الحرب لا يعترف بالخطط المسبقة. فجأة، صدرت الأوامر بالتحويل نحو القاطع الجنوبي لإسناد السرب 49، لتبدأ رحلة العشرة أيام التي غيرت كل شيء. هناك، وبينما كان الطيار الراحل "مجدي" يلتحق بسيارته الشخصية في مشهد يجسد تفاني المقاتل، كانت الأقدار تُطبخ على نار هادئة.
لقاء قائد التشكيل في سكن الضباط
بعد الهبوط في مطار قاعدة الامام علي الجوية , بدأنا الطيران مع السرب 49 بواجبات الاسناد القريب للقطعات المشتبكة في القاطع الجنوبي, بعد أن تدبرنا أمرنا بشراء مسلتزمات الشخصية من حانوت القاعدة وملابس داخلية ومنام ومنشفة, لو كنا نعلم بالامر لحملنا امتعتنا بجنة صغيرة نضعها في مكان مخصص بالطائرة.
في وقت متأخر من الليل، وتحت ضوء خافت في سكن الضباط، جاء آمر التشكيل الرائد الطيار الى غرفة الملازم الأول الطيار"العبيدي". كان الحوار قصيراً لكنه كان يزن الجبال؛ كشف آمر التشكيل عن "الواجب الصعب" لضرب معمل البتروكيماويات في بندر ماهشهر، معلناً بوضوح أن نسبة الخسائر المتوقعة هي 50%.
نظر الآمر في عيني العبيدي باحثاً عن ذرة تردد، لكنه وجد صخراً. سأله عن حاله، فأجاب العبيدي بعنفوان الشباب العراقي: "سيدي، هل تراني مرتبكاً؟ أنا جاهز". ضحك فقال إذن سوف نتوقف عن الطيران لمدة 3 ايام لحين ورود الاشارة. عاد العبيدي إلى فراشه في الواحدة صباحاً، لم ينم طويلاً، لكنه استيقظ بروح جديدة، روح رجل يعلم أن موعده مع التاريخ قد اقترب، وأن نصف المقاعد في رحلة العودة قد تظل فارغة
"الجيت ستار".. هبوطُ القرار الحاسم
قبل حلول مساء اليوم الثالث، وبينما كانت النفوس تغلي على جمر الانتظار، شق صوت محركات طائرة "الجيت ستار" صمت القاعدة. لم تكن طائرة عادية، بل كانت تحمل "الخبر اليقين". هبط منها ضابط رفيع المستوى من قيادة القوة الجوية، يحمل في حقيبته "أمر تكليف الواجب" الرسمي، المختوم بهيبة القيادة.
في تلك اللحظة، أدرك العبيدي ورفاقه في مفرزة السرب 29 أن وقت "الخرائط والنظريات" قد انتهى. دخل الضابط الكبير إلى غرفة الحركات، واجتمع بالطياريين الأربعة والاحتياط. كان يحمل معه اللمسات الأخيرة، وربما كلمات التشجيع التي تسبق العواصف الكبرى. لم يكن الأمر مجرد ورقة، بل كان "عهدًا" بأن هذه الطائرات الأربع من طراز MiG-23 BN ستحمل غضب السماء إلى مراجل بندر ماهشهر.
كانت نظرات الضابط تتفحص وجوه الطيارين؛ يبحث في عيونهم عن ذلك "الثبات" الذي وعد به العبيدي آمره قبل ليالٍ. كان التكليف صريحاً، والهدف لا يقبل الخطأ، والوقت المتبقي للإقلاع أصبح يُحسب بالأنفاس لا بالساعات.
الفصل السادس: ثقل الأمانة.. "العملية أكبر مما تخيلنا"
مع فتح "أمر التكليف" الرسمي الذي جاءت به الجيت ستار، بدأت تتضح الصورة الحقيقية للواجب. لم تكن العملية مجرد ضربة لإيقاف إنتاج، بل كانت تهدف إلى شلّ شريان اقتصادي وعسكري حيوي في عمق العدو. هيبة الضابط الكبير، ونبرة صوته وهو يشرح الأهمية السياسية والعسكرية للضربة، جعلت الهواء في الغرفة يبدو ثقيلاً.
أدرك الملازم أول العبيدي ورفاقه أنهم ليسوا مجرد طيارين ينفذون واجباً، بل هم "رأس الرمح" في خطة استراتيجية أوسع. العملية كانت "كبيرة" بكل المقاييس؛ كبيرة في أهدافها، كبيرة في مخاطرها، وكبيرة في حجم القوة الجوية التي سخرت المعلومات والاستخبارات لإنجاحها.
كان الصمت في غرفة الحركات سيد الموقف، صمتٌ يقطعه فقط صوت مؤشر الخريطة. التوزيع الدقيق للأهداف (المراجل والمخازن) لم يعد مجرد تمرين، بل أصبح "قسماً" يجب الوفاء به. ورغم أن نسبة الخسائر المتوقعة (50%) كانت تلوح في الأفق كغيمة سوداء، إلا أن "هيبة المهمة" طغت على غريزة البقاء.
سيمفونية الموت والتمويه.. ساعة انطلاق الجحيم- تشكيل القوة الضاربة (الهدف الرئيسي): أربع طائرات MiG-23 BN، من بينها طائرة العبيدي، مثقلة بحمولة مرعبة بلغت 2 طن من القنابل لكل طائرة مع خزانات اضافية. كان الهدف واضحاً: معمل البتروكيماويات في ميناء بندر ماهشهر.
- تشكيل الخداع (التمويه): طائرات Su-22 بحمولة أضخم تصل إلى 4 أطنان مع خزانات اضافية، اتجهت نحو "بندر عباس". كانت هذه القوة هي "الطُعم" الذي سيجذب أنظار الرادارات والدفاعات الإيرانية بعيداً عن الضربة الحقيقية.
- صائدو الرادارات: طائرتان من نوع Su-22 مسلحة بصواريخ "خ" (Kh-28) المضادة للإشعاع، مهمتها إخراس أي رادار يتجرأ على العمل، وتدمير أنظمة الدفاع الجوي قبل أن تفتح نيرانها.
- غطاء الحماية والتصوير: طائرات Mig-23 ML كمتصديات لحماية التشكيل، بينما كانت الأسطورة MiG-25 تحلق في الأعالي، تنتظر لحظة الانفجار لتلتقط صور النصر وتوثق دمار الهدف.
"سيجارة الوداع.. والرقص على ملح الموج"
قبل الصعود إلى مقصورة الـ MiG-23 BN، وقف الملازم الأول الطيار العبيدي لثوانٍ يرقب الأفق. أخرج سيجارته وأشعلها بتمهل، وهو يهمس لنفسه: "لربما تكون السيجارة الأخيرة". كان دخانها يتلاشى مع أولى صرخات المحركات التي بدأت تستيقظ في أرجاء القاعدة. لم يكن هناك مجال للخطأ، فالتوقيت (TOT) كان مقدساً، والثواني هي الفاصل بين النصر والكارثة.
لحظة الإقلاع: عندما ضغط العبيدي على عتلة الوقود، شعر بثقل الـحمولة تحت أجنحة الـ BN. كان المحرك يزأر تحت ضغط الحمولة القصوى، والطائرة تكاد ترفض مغادرة المدرج من فرط ثقلها. بمجرد الإقلاع، بدأ التشكيل "بالغطس" نحو مستوى منخفض جداً.
كان المشهد سريالياً؛ عشرات الطائرات تشق السماء في توقيتات متزامنة، صمت لاسلكي مطبق، وعيون ترقب الأفق المائي الذي بدأ يظهر للمرة الأولى. كان التفكير في نسبة الخسائر الـ 50% قد تضاءل أمام ضجيج المحركات وهيبة التشكيل الذي يملأ السماء.
اللقاء فوق السحاب
أقلعت الطائرات بالتزامن، وفي مشهد تقشعر له الأبدان، تجمعت الطيور الجارحة من كل حدب وصوب؛ تشكيلات متنوعة بخط رحلة من الناصرية - الجليبة - صفوان، تلاقت في نقطة واحدة لتشكل قوة ضاربة موحدة رغم اختلاف أنواعها. انحدر التشكيل العظيم باتجاه جزيرة وربة وبوبيان، حيث بدأ "العناق" الحقيقي مع الأرض.
التحدي البحري وسخرية الأبطال: كانت الخطة تقتضي الطيران على ارتفاع 100 متر، ولكن عند ملامسة زرقة الخليج، تبددت كل القواعد. وجد العبيدي نفسه، ولأول مرة في حياته، يطير فوق الماء؛ حيث تلاشت الحدود بين زرقة السماء وصفاء البحر. وبسبب الرهبة والخبرة، انحدروا بالـ BN المثقلة بالقنابل إلى ارتفاع جنوني لا يتجاوز 10 أمتار عن سطح الماء، حتى كادت ذيول الطائرات ترسم خطوطاً على وجه الموج.
في تلك اللحظة الحرجة، وبينما كان الموت يتربص بهم، لم تغب الروح العراقية الساخرة. نظر رقم 3 إلى قائد التشكيل الذي كان يطير بارتفاع أعلى قليلاً، فخرق الصمت اللاسلكي بضحكة متحدية للقدر قائلاً: "سيدي.. أنت وين معلق بالسما؟!"
ضحك الجميع بمرارة وشجاعة، ففي تلك الـ 10 أمتار، كان الطيارون يشعرون برذاذ الملح، بينما كان القائد في نظرهم "معلقاً في السماء" رغم أنه لم يتجاوز المئة متر! ثم جاءت لحظة الانفصال؛ استدارت طائرات السوخوي 22 لتنفذ مناورة التمويه نحو "بندر عباس"، وبقي العبيدي ورفاقه الثلاثة وحدهم في مواجهة المجهول، يشقون عباب البحر نحو هدفهم المنشود: بندر ماهشهر.
"شبحُ السراب.. وعينُ الفانتوم العمياء"
كانت الشمس في تموز تحرق وجه الماء، مما خلق طبقة كثيفة من "السراب البحري"؛ تلك الظاهرة التي جعلت طائرات الـ MiG-23 BN تبدو وكأنها أشباح تسبح بين الماء والسماء، لا تميزها عين ولا يكتشفها رادار. كان العبيدي يرقب الأفق بعين الصقر، وفي تلك اللحظة الحرجة، لمح بريقاً معدنياً في السماء العالية.. إنها طائرة F-4 (فانتوم) إيرانية!
المواجهة الصامتة: كانت الفانتوم تحلق في الساعة الثالثة من جهة اليمين، وكأنها تبحث عن فريسة. نادى العبيدي عبر اللاسلكي بصوت يملؤه الحذر: "هدف معادي.. الساعة 3 يميناً!". جاء الرد من زملائه: "لم نشاهد شيئاً". كرر العبيدي تحديد الموقع بدقة، حتى جاء صوت قائد التشكيل أخيراً: "شاهدتها.. لكنها عبرت ولم ترنا".
لقد كان السراب حليفاً وفياً للأبطال؛ فبينما كان الطيار الإيراني يبحث في الأعالي، كان الصقور طياري تشكيل السرب 29 ينسلون كالأفاعي تحت قدميه، محميين بانخفاضهم الأسطوري (10 أمتار) وبغطاء السراب الذي أخفى هدير محركاتهم ولون طائراتهم. كانت تلك الثواني هي الفاصل بين المعركة الجوية وبين إكمال المهمة الاستراتيجية. عبرت الفانتوم بسلام، وبقيت المراجل بانتظار وصول "هدايا" حمولة القنابل.
"صراع الجبابرة.. حين ابتلع البحرُ الفانتوم"
بينما كان العبيدي ورفاقه يشقون طريقهم نحو الهدف بارتفاع 10 أمتار، ضجّ اللاسلكي بنداءات تشكيل السوخوي 22 التي تحمل صواريخ "خ" (Kh-28). لقد رصد صائدو الرادارات طائرة الفانتوم التي مرت فوق التشكيل، ولم يتركوها تعبر بسلام. بدأ الاشتباك الجوي، وتحولت السماء الهادئة إلى ساحة صراع كاسر.
في تلك الأجزاء من الثانية، جاء صوت "رقم 2" من تشكيل السوخوي عبر اللاسلكي، بنبرة ذهول ممزوجة باليقين: "سيدي.. الفانتوم ضرب الماء! لا أعلم ماذا حدث!"
كان المشهد سريالياً؛ الفانتوم التي كانت قبل قليل تبحث عن فريستها، هوت فجأة من الأعالي لترتطم بسطح البحر بقوة هائلة، محولةً زرقة الماء إلى كتلة من اللهب والدخان. هل أصابها ؟ أم أنها فقدت توازنها في مناورة حادة؟ أم أن "لعنة السراب" والارتفاع المنخفض جرتها إلى القاع؟
لم يكن هناك وقت للتحليل، فالموج ابتلع الفانتوم، والطريق إلى "بندر ماهشهر" أصبح مفتوحاً تماماً. نادى قائد التشكيل بلهجة حازمة قطع بها ذهول الجميع: "استمروا.. الهدف أمامنا!".
"تسابيحُ النار.. ودخانُ بندر عباس"
بينما كان العبيدي يوجه مقدمة طائرته الـ BN نحو جزيرة البتروكيماويات، انفتحت آفاق السماء جهة اليسار على جحيم مستعر. كانت طائرات السوخوي 22 قد أفرغت حمولتها من القنابل (4 أطنان لكل طائرة) فوق ميناء بندر عباس.
هيبة الانفجار: رأى العبيدي منظراً لم تره عيناه من قبل؛ كرات من اللهب البرتقالي تشق زرقة الأفق، وأعمدة من الدخان الأسود الكثيف تتصاعد لتعانق السحاب، وكأن الأرض زلزلت زلزالها. كانت الانفجارات من الضخامة بحيث اهتزت لها أجنحة طائراتهم وهم على بعد كيلومترات.
عبر أجهزة اللاسلكي، شقّت صرخات "الله أكبر.. الله أكبر" ضجيج المحركات. كانت كلمات التكبير تنبعث من حناجر الطيارين في التشكيلات الأخرى، تمتزج بهدير الهواء، وتمنح العبيدي ورفاقه دفعة من القوة الروحية. لقد كان "التمويه" ناجحاً لدرجة مرعبة، فالدخان المتصاعد من بندر عباس كان كفيلاً بإعماء كل رادارات المنطقة.
قال العبيدي في سرّه وهو يرى تلك المشاهد: "يا الله.. كل هذا الدمار هناك، فماذا سنفعل نحن هنا؟". لم يكن الخوف هو المسيطر، بل كانت الرهبة من عظمة الموقف. الآن، ومع انشغال العدو بحرائق بندر عباس، أصبحت مراجل بندر ماهشهر مكشوفة تماماً أمام عيون صقور السرب 29. كان الصمت قد خيّم على تشكيل العبيدي؛ صمت الاستعداد للضغط على الزناد.
"رقصةُ الـ BN في جوف الجحيم.. وصراعُ الصفر"
وصل التشكيل إلى نقطة (IP)، وهي النقطة التي لا رجعة بعدها. نادى قائد التشكيل بلهجة حازمة: "تسلّق!". في ثوانٍ، تحولت الـ MiG-23 BN من زحفها فوق الماء إلى تسلق حاد لارتفاع 1500 متر، وبسرعة قتالية مجنونة بلغت 900 كم/ساعة.
الانقضاض الكبير: انقضّ قائد التشكيل كالصاعقة وأصاب البرج الأول، وتبعه رقم 2 ليحول البرج الثاني إلى كتلة من اللهب. وكذلك الرقم 3. أما العبيدي، فكان قلبه معلقاً بالدقة؛ قام بمناورة (Reverse) ليمسح الهدف بعينيه ويتأكد من الإصابات، متأهباً لمعالجة أي خلل عند الانقضاض على الخزانات.
اليدُ والأقدار: في تلك اللحظة، انفتحت أبواب الجحيم. كانت قذائف المدفعية المضادة للطائرات تنفجر من حوله بغزارة، حتى وجد العبيدي نفسه يرفع يده غريزياً ليحمي وجهه من الشظايا! وفي وسط ذلك الرعب، ابتسم بمرارة وسأل نفسه: "ماذا تنفع يدي أمام هذا الجحيم؟". خفض يده، وقبض على العصا بقوة الفولاذ، متجهاً نحو الدخان المتصاعد من ضربات زملائه.
صراع الـ "هوك" والارتفاع صفر: نادى رقم 3 محذراً، فظن العبيدي أن صاروخ "هوك" قد انطلق نحوه. وبغريزة البقاء، استدار استدارة حادة والجنح بزاوية 72 درجة، ليهبط إلى ارتفاع مرعب.. كان مؤشر الارتفاع يقرأ (صفر)! لقد كان يعانق الأرض فعلياً، لولا فرق الضغط الجوي الذي أبقاه محلقاً بأعجوبة.
لمح العبيدي صاروخين يتجهان نحوه، لكن "معجزة" أخرى حدثت؛ كانت صواريخ "خ" التي تحملها السوخوي 22 قد قيدت منظومات العدو وشلت حركتها، فظلت الصواريخ هائمة دون توجيه دقيق. استمر رمي المدفعية كأنه أمطار من نار، والعبيدي يشق هذا الضباب والموت، مصمماً على وضع بصمته فوق خزانات بندر ماهشهر.
"عنانُ السماء.. وشهادةُ الـ Foxbat"
في تلك اللحظة التي كان فيها العبيدي يصارع الموت على ارتفاع "الصفر" وسط جحيم القذائف، جاء الصوت من الأعلى.. من حيث لا تصل نيران المدفعية، صوت طيار الـ MiG-25 (الفوكسبات) الذي كان يرقب المشهد من علياء سماء الخصم كعين لا تنام.
شقّ صوتُ التكبير اللاسلكي: "الله أكبر.. الله أكبر! الدخان والانفجارات وصلت عنان السماء!".
كانت هذه الكلمات هي الموسيقى التي انتظرها الأبطال وسط ضجيج الحرب. فإذا كان الدخان قد وصل إلى تلك الارتفاعات الشهقة التي تحلق فيها الميغ 25، فهذا يعني أن "بندر ماهشهر" قد احترقت بالكامل. لم تكن مجرد إصابة، بل كانت "زلزالاً" جوياً هزّ أركان الميناء.
شعر العبيدي في تلك اللحظة بنشوة النصر التي غسلت تعب الأيام الثلاثة وقلق الـ 50%. لقد فعلها السرب 29، وتحول الخوف من الرادار والمدفعية إلى فخرٍ يملأ الصدر. سحب العبيدي طائرته الـ BN بقوة، مبتعداً عن كتلة اللهب السوداء التي خلفها وراءه، ليبدأ رحلة العودة الشاقة فوق ذات الماء الذي احتضن سرهم في البداية.
"قطرة الوداع.. وعناق البعث من جديد"
بعد أن صبّ حمم غضبه فوق الهدف، تسلق العبيدي بطائرته الـ BN إلى ارتفاع 800 متر، مخترقاً سحب الدخان الكثيفة التي حجبت الرؤية. هناك، وسط زحام الموت، توجة للمرور بالقرب من بندر عباس وحيداً وسط الدخان بدأ جهاز تحسس الأكسجين يطلق نداءاته التحذيرية؛ تحت وطأة الارتفاع لتدفق الدخان غي المحرك، وقذائف المدفعية العشوائية لا تزال تلاحق طيفه في السماء.
رحلة العودة على حافة الصفر لقد كان متأخراً عن التشيكل وحيداً بمسافة بعيدة : اتجه غرباً، وفي سماء الفاو الجريحة، كان الرصاص ينهمر عليه من كل جانب. نادى "رقم 3" بصوت يملؤه القلق: "أين أنت؟ وكم وقودك؟". أجاب العبيدي بهدوء المحتضر الذي يأبى الاستسلام: "أنا فوق الفاو.. وقودي 1200 كغم". حثه رفيقه على الهبوط في البصرة، لكن العبيدي، وبإصرار النسور، قرر الاستمرار نحو الناصرية. (هنا انقطع الاتصال وكانت التشكيل في هذه الاثناء هبط في المطار), جعل العبيدي زاوية الجناح 16 درجة، وحلّق بسرعة اقتصادية قصوى، وكأنه يساوم الطائرة على كل قطرة وقود متبقية في أحشائها.
المعجزة على المدرج: وصل متأخراً عن التشكيل بعد أكثر من 10 دقائق إلى مطار الناصرية والوقود يلفظ أنفاسه الأخيرة. هبط بشكل مباشر، وبمجرد أن دخل ممر ساحة وقوف السرب، ساد صمت مفاجئ.. لقد انطفأ المحرك وحده! توقفت الـ BN قبل أن تصل إلى مكانها بامتار، وكأنها أدت أمانتها حتى الرمق الأخير ثم أسلمت الروح.
ترجل العبيدي، قفز من فوق الجناح إلى الأرض الصلبة، وبحركة تلقائية أخرج سيجارته وأشعلها؛ السيجارة التي كان يظنها الأخيرة قبل ساعات، أصبحت الآن طعم الحياة.
اللقاء المستحيل: كان آمر السرب يجلس في خيمته، واضعاً رأسه بين راحتيه، مثقلاً بحزن القائد الذي يحصي غيابات رجاله وسط زحام الطائرات القالعة والهابطة. وعندما رفع رأسه وشاهد العبيدي يتقدم نحوه من وسط الدخان، قفز من مكانه كأنما رأى طيفاً عائداً من العالم الآخر. احتضنه بقوة وهو لا يصدق عينيه، والدموع تحبس الكلمات في حنجرته: "لقد توقعت أنك مفقود.. الحمد لله على سلامتك يا بطل".
لقد عاد الملازم أول العبيدي، تاركاً خلفه "بندر ماهشهر" رماداً، ليوثق بدمه وعرقه قصة جيل لم يعرف المستحيل، قصة "الناس البسطاء" الذين طاروا فوق الموت وعادوا ليخبرونا أن الوطن يستحق كل قطرة وقود، وكل نبضة قلب.
الخاتمة: "أوسمةُ الدخان.. وعقيدةُ الصمت"
انتهت المعركة، وهدأت المحركات، لكن صدى تلك الرحلة لم يهدأ في وجدان من عاشها. لم تكن "بندر ماهشهر" مجرد هدف عسكري في سجلات القوة الجوية، بل كانت اختباراً للروح الإنسانية في أقصى درجات الضغط. لقد عاد الملازم أول العبيدي ورفاقه، لا ليحملوا الأوسمة على صدورهم، بل ليحملوا في عيونهم مشهد الدخان الذي وصل عنان السماء، والذي كان بالنسبة لهم أصدق من أي نوط شجاعة.
حين طُويت التقارير، وانتهت جلسات النقاش، بقيت حقيقة واحدة راسخة: "إن تكريم المقاتل الحقيقي هو نجاته وعودته لرفاقه". لقد أثبت "الناس البسطاء" من صقور السرب 29 أن البطولة ليست في ضجيج الشعارات، بل في سيجارة تُدخن بهدوء قبل الموت، وفي ضحكة ساخرة فوق لجة البحر، وفي إصرار على العودة بآخر قطرة وقود.
ستبقى قصة العبيدي وتشكيله درساً في الوفاء؛ وفاء الطيار لطائرته التي لم تخذله حتى الممر الأخير، ووفاء القائد لرجاله الذين عادوا من "الـ 50% مفقود" ليصنعوا نصراً كاملاً. هي رحلة لم ينسها العبيدي، ولن يطويها النسيان، ما دام هناك من يكتب بصدق عن أولئك الذين طاروا خلف الشمس وعادوا حاملين رائحة الوطن.
