recent
أخبار ساخنة

لغز الجناح المائل: قصة (الشهادة الخضراء) في قمرة الـ T37

✈️ لغز الجناح المائل: قصة (الشهادة الخضراء) في قمرة الـ T37 🟢

بقلم: مالك المهداوي.

"هذه السطور مستلة من مذكرات زميلي وصديقي الكابتن (عبد اللطيف أحمد)، الذي عملتُ معه لسنين طويلة. يروي فيها مقالاً حول حدثٍ فارقٍ تعرض له وهو لا يزال غض الإهاب، حينما كان مبتعثاً إلى كلية الطيران الباكستانية، وقبل أن ينبت الريش على جناحي صقرٍ سيحلق لاحقاً لآلاف الساعات.." وهو يروي لغز الجناح المائل وما هي قصة الشهادة الخضراء في قمرة طائرة التدريب T37.

✈️ مقدمة: مذكرات من خلف زجاج القمره ☁️

لم تكن 2450 ساعة في قمرة القيادة مجرد أرقام سُجلت في "لوك بوك" الطيران 📖، بل كانت عمراً كاملاً عشته معلقاً بين الأرض والسماء. في تلك المساحة الضيقة التي نسميها "المقصورة"، لا توجد أنصاف حلول؛ إما أن تكون سيد الآلة، أو تكون ضحيتها. هناك، حيث يختلط صوت المحركات بأنفاسك المتسارعة، وتتحول عدادات الطائرة إلى نبضات قلبك، كتبتُ قصصاً لم تروها الأرض من قبل 🌍.

لغز الجناح المائل: قصة (الشهادة الخضراء) في قمرة الـ T37
لغز الجناح المائل: قصة (الشهادة الخضراء) في قمرة الـ T37

بدأت الرحلة من شغفٍ قادنا من بلاد الرافدين 🇮🇶 إلى أصقاع العالم، متنقلين بين مدارس الطيران الرصينة التي كانت تُصقل فيها مواهب صقور العراق؛ من "بريستول" الضبابية 🇬🇧 إلى "صالون دو بروفانس" الفرنسية 🇫🇷، وصولاً إلى صرامة "ريالبور" في باكستان 🇵🇰. كنا شباباً نُسابق الريح، نحمل في حقائبنا صور الأهل وفي صدورنا هيبة الوطن، نكتشف أن الطيران ليس مجرد علمٍ يُدرّس، بل هو "فطرة" تُختبر في لحظات الخطر الصامت ⚡.

في هذه المذكرات، لا أكتب عن الطائرات ككتل من المعدن، بل أكتب عنها كرفيقة درب خذلتني أحياناً وأنقذتها أحياناً أخرى. أكتب عن زملائي الذين كانوا "أجنحة" لي في الغربة، وعن أصواتهم التي كانت تأتي عبر اللاسلكي 🎙️ كحبل نجاة وسط العواصف. أكتب عن قصص البسطاء الذين رأيت في عيونهم فخر الأرض بفرسانها، وعن تلك اللحظات الفاصلة التي كان فيها قرارٌ واحد يعني الفرق بين "الشهادة الخضراء" 🟢 أو ذكرى عابرة في سجل المفقودين.

اربطوا الأحزمة.. فلنحلق مجدداً في تلك الذكريات 🦅✨.

🛡️  صرخة الـ (T37) في سماء "راسلبور" 🇵🇰

في بداية الثمانييات من القرن الماضي، وبينما كانت ساعات طيراني لا تزال تحبو عند حاجز الثلاثين ساعة، وجدتُ نفسي وحيداً في قمرة قيادة الطائرة (T37) فوق قاعدة "راسلبور" الجوية بباكستان. كانت تلك "طلعة طيران عام منفرد" (Solo)، اللحظة التي يختبر فيها الطالب قدرته على مواجهة السماء وجهاً لوجه دون أنفاس مدربه بجانبه 👨‍.

أكملتُ الواجب بنجاح، وبدأتُ إجراءات العودة. قررتُ، كجزء من التحدي المسموح لنا به، أن أنفذ "تقرباً للنزول بمحرك واحد" ⚙️. كان كل شيء يسير وفق الأصول، الطائرة مستقرة، والمدى صحيح، لكن ما إن لامست العجلات أرض المدرج حتى انقلب المشهد رأساً على عقب! ⚠️

🔄 انحراف القدر.. والقرار الصعب

فجأة، وبقوة عنيفة، انحرفت الطائرة بشدة نحو اليسار، وكأن وحشاً ميكانيكياً يحاول سحبها خارج حدود المدرج. في تلك الثواني الضيقة، ومع قلة خبرتي، قفز إلى ذهني هاجس واحد: "انفجار الإطار الأيسر" 💥. لم يكن هناك وقت للتردد؛ فالموت يتربص عند حافة المدرج الترابية. وبدفعٍ فطري، زدتُ دورات المحركين إلى أقصاها، وأقلعتُ مجدداً صارخاً في اللاسلكي: "انفجار الإطار الأيسر!" 🎙️🔥.

🇮🇶 نداء الأخوة وسط ضجيج "الأوردو"

بينما كنتُ أحلق بطائرة "جريحه"، امتلأت أذني بتعليمات السيطرة الجوية بلغة "الأوردو" التي لم أكن أفهم منها حرفاً في تلك اللحظة الحرجة. وفجأة، اخترق الصخب صوتٌ مألوف، دافئ، وعراقي بامتياز. كان زميلي الشهيد محمد عبد الكريم (رحمه الله) 🌹، الذي كان في الجو مع المدرب "شاه داب".

قال لي محمد بعد أن استأذن مدربه: "لطيف.. نحن قريبون منك جداً (Line Astern)، تنبّه في دوراناتك لكي لا نصطدم بك" ✈️✈️. كان صوته بمثابة حبل نجاة سحبني من دوامة التوتر. أجبته بثقة لم أكن أعلم من أين أتيت بها: "لا تخف.. أنا مسيطر" 🫡.

🔪 الهبوط على نصل السكين

استجمعتُ تركيزي، وقررت التقرب للنصف الأيمن من المدرج. لم أتلقَّ أي تعليمات سوى صرخة المدرب: "لا ترفع العجلات!" 🚫🛞. هبطتُ بحذر شديد، ولامست الأرض، واستخدمتُ "الردر والبريك" بكل ما أوتيت من قوة وإحساس للحفاظ على خط المركز.

عندما سكنت حركة الطائرة، اكتشفتُ المفاجأة: لم يكن هناك صوت انفجار إطار! بل كانت الطائرة تميل بجناحها الأيسر الذي يكاد يلامس الإسفلت، بينما الجناح الأيمن مرتفع بشموخ نحو السماء 📐.

🟢 لحظة الحقيقة.. والشهادة الخضراء

عند نهاية المدرج، كان المشهد يوحي بحجم الكارثة التي تم تفاديها؛ حشد من الضباط، سيارات الإطفاء 🚒، سيارة إسعاف بطبيبها 🚑، وعلى رأسهم عميد الكلية. وبمجرد أن أطفأت المحرك، جاءني العميد، ربت على كتفي بابتسامة وقار وقال: "Well Done" 🤝.

تبين لاحقاً أنني واجهت عطلاً ميكانيكياً نادراً لم تسجله سجلات الكلية من قبل: "انكباس مبيد الصدمة الأيسر وتمدد الأيمن" 🛠️. في اليوم التالي، لم أكن مجرد طالب، بل كنت "المُحاضر" الذي يشرح للسرب كيف نجا من عطل لم يقرأوه في الكتب 👨‍🏫.

انتهى ذلك اليوم بـ "الشهادة الخضراء" (Green Certificate) 📜🟢، لتبقى تلك الحادثة وساماً على صدري، وتذكيراً دائماً بروح الشهيد محمد عبد الكريم الذي كان جناحي الآخر في تلك السماء البعيدة ✨.

🌟 الخاتمة: ما وراء "الشهادة الخضراء" 📜🟢

لم تكن تلك الورقة الخضراء التي استلمتها في اليوم التالي مجرد وثيقة لتجاوز عطل فني نادر، بل كانت صكّ عبور لمرحلة جديدة في حياتي كطيار 👨‍✈️. هناك، في ساحة "راسلبور"، تعلمت أن الطائرة لا تُقاد بالمحركات فحسب، بل بالقلب الذي لا يرتجف ❤️، وبالعين التي ترى ما لا تراه العدادات 👁️ موازنةً بين ثبات الأرض وعنفوان السماء.

غادرتُ باكستان حاملاً معي دروساً في ميكانيكا الطيران، ودروساً أعمق في "ميكانيكا الروح" ✨. بقيت عبارة (Please appreciate him) التي قالها آمر السرب ترن في أذني كلما واجهتُ عاصفة في قمرة القيادة خلال الـ 2450 ساعة التي تلت ذلك الحادث. فالثقة التي يُمنح إياها الطيار في بداياته هي الوقود الحقيقي ⛽ الذي يجعله يصمد في أصعب الظروف، كما فعلتُ لاحقاً في ثمناييات وتسعينيات القرن الماضي مع "سرب السوخوي 22" في قاعدة الحرية وكلية القوة الجوية🇮🇶.

أما الصديق والزميل محمد عبد الكريم 🌹، فقد بقيت كلماته بالعربية في ذلك اليوم العاصف محفورة في وجداني. استشهد محمد عام 1986، ورحل بجسده، لكن صوته ظلَّ يرافقني في كل رحلة 🎙️، مذكراً إياي بأن خلف كل طيار ناجح، رفاقٌ مخلصون لا يتركونك وحيداً في مواجهة الريح 🌬️.

رحم الله رفاق الدرب الذين غادرونا، وحفظ الله تلك الذكريات التي تجعلنا نبتسم رغم مرارة الفقد 🕯️. فكل طيار يعلم يقيناً أننا وإن هبطنا بسلام على الأرض، تظلُّ أرواحنا محلقة هناك.. بين السحاب ☁️، نبحث عن حدثٍ آخر، وقصةٍ جديدة ترويها قمرة القيادة.

📌 توصية للقراء:

"إن قصص الطيران ليست مجرد سرد لمغامرات في السحاب، بل هي توثيق للحظات يختبر فيها الإنسان أقصى درجات الثبات والبديهة. أدعوكم لقراءة هذه المذكرات ليس كحدث تقني فحسب، بل كرسالة وفاء لجيل من الصقور الذين نقشوا أسماءهم في السماء. هذه القصة تذكرنا بأن 'الرفيق' في الجو هو الجناح الحقيقي للطيار، وأن النجاح ليس في الهبوط فحسب، بل في مواجهة التحدي بقلبٍ لا يرتجف."
google-playkhamsatmostaqltradent